أحمد بن محمد ابن عربشاه

78

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

ففي بعض الأيام ، وعام من الأعوام ؛ وقع برد شديد وثلج وجليد ، فرأى الحية وقد سقطت قواها وخمدت أعضاها ، ووقعت في شر حال وبرد وبال ، فحملته الشفقة والصداقة ، والعهد الذي أحكما وثاقه ، على أن آواها وحملها في مخلاة حماره وأدناها ، ووضع المخلاة « 1 » في رأس البهيم ، وتوجه لضرورة ذلك الفهيم ، فحست الحية بنفس أبى زياد ، وتحرك عرق العدوان القديم وعاد ، وفعل خبثها خاصيته المألوفة ، ولعب سمها سميته المعروفة متبعا حديثه : جرام على النفس الخبيثة أن تخرج من الدنيا حتى تسيء لمن أحسن إليها ، فعضت الحية شفة الحمار الرقيقة عضة محب لاقى في خلوة عشيقه ، وبرد مكانه من حرها ، وهربت الحية إلى جحرها . وإنما أوردت هذا المثال ؛ لتعلموا يا ذوى الأفضال ؛ أن من صحب الأشرار ورغب في مودة الفجار ، لا يأمن العثار « 2 » ولا يسلم من الأنكاد والبوار . وقد قيل : إن صحبة الأخيار كجرة النضار « 3 » بطيئة الانكسار ، سريعة الانجبار . وصحبة الأشرار ؛ كجرة الفخار سريعة الانكسار ، بطيئة الانجبار . وبالجملة ما في صحبة الناس فائدة ، ولا في مخالطة الناس كبير عائدة ، وقد قيل : ولم تر من بنى الدّنيا سلاما * فإن تره فأبلغه سلامي وينبغي أن تكون غيبتكم وحضوركم ، وأحوالكم وأموركم ، واجتماعكم وفراقكم ، وصلحكم وشقاقكم ، في حالتي السّراء والضّراء ، والبؤس والرخاء على ووتيرة واحدة ؛ وهي الخالية عن الأغراض الفاسدة ؛ أعنى : إذا رضيتم ؛ فبالحق ، وإذا غضبتم ؛ فالحق ، وإذا توجهتم ؛ فللحق ، ولا تبطّروا في حالة النعم ، ولا تضجروا في حالة النقم ، وعلى كل حال فلا يقع بينكم اختلال ،

--> ( 1 ) جراب من الجلد توضع فيه الأشياء . ( 2 ) المهلكة . ( 3 ) النضار ، مفردها النضر : الذهب .